محمد بن مصطفى ابن الراعي
مقدمة 7
البرق المتألق في محاسن جلق
فابن الراعي ما استحلى درّا إلا نحلها الشام ، وما وجد عقدا إلا زيّن به جيدها . إن استعذب منطقا جعله في وديانها وروابيها ، وإن استحلى نظما وضعه فيها ، ولو غير الكلام أو بدّل الأعلام . فإن ذكر جدول بالأندلس فهو بردى ، أو تكلّم عن جنان فارس فهي الغوطة ، وإن مدحت روضة مصر وقصر صنعاء فهما الأبلق والقنوات . إنه نفس مقاتل منافح عن محبوبته دمشق زينة الدنيا وشامة الدهر وواسطة العقد ، متحدّ بجمالها من سواها ، ومن سواها جمالا وروعة إلا الأندلس ومصر ، فما كان منه إلا أن جرّد اليراع ، وانبرى يناضل عن الشام مدلّلا بسؤددها ونيلها قصب السّبق . أ - أما مصر ، فقد ترك أمر اعترافها لسيادة الشام إلى أبناء مصر ، فهذا الدماميني الإسكندري يقول عن دمشق والشام صفحة ( 28 ) : وما أقول إلّا منتزهات مصر عارية من المحاسن ، وهذه ذات الكسوة ، والنّيل ما احترق إلّا من الأسف ، حيث لم يسعده الدهر بالصّعود إلى تلك الرّبوة ، وحقّ لمصر ألّا تجري حديث المفاخرة في وهمها ، وأن تتّقي شرّ المنازعة قبل أن تصاب من هذه البلدة بسهمها . وللشام الشرف الأعلى على مصر ونيلها : وإن شرفت بالنيل مصر فلم تزل * دمشق لها بالغوطة الشّرف الأعلى - وأما الأندلس وما ذكر عن جنانها ورياضها ، وما قيل من الموشحات في معالمها ومحاسنها ، فقد عقد الفصل الأخير من الكتاب للرد على هذا البيان ، وإفحام المناظر في هذا المقام ، فقال : ولمّا مدح شعراء الأندلس قطرهم البديع ، بموشّحات هي أزهى وأنضر من وشي الربيع ، ووصفوا معالمها ومحاسنها بأبدع لفظ وأعذب عبارة ، ووسموا تلك الموشّحات بالكواكب السبعة السّيارة ، انتدب لمباراتهم من الشام رجال وأيّ رجال ! ونظموا في جلّقهم ما يزري بعقود اللآل ، شبّبوا بذكر رياضها الّتي تستوقف الناظر ، ووصفوا متنزّهاتها الّتي تفحم المناظر .